عصام عيد فهمي أبو غربية
247
أصول النحو عند السيوطي بين النظرية والتطبيق
يوضع وضعا قياسيّا عقليّا لا نقليّا ، بخلاف اللغة ، فإنها وضعت وضعا نقليّا لا عقليّا ، فلا يجوز القياس فيها بل يقتصر على ما ورد به النقل ؛ ألا ترى أن القارورة سميّت بذلك لاستقرار الشئ فيها ، ولا يسمّى كل مستقر فيه قارورة ، وكذلك سميت الدار دارا لاستدارتها ، ولا يسمّى كل مستدير دارا 26 . فالسيوطى - هنا - فيما ينقله عن الأنباري يدلّل على أهمية القياس ، ويذكر أن النحو قياس ، بخلاف اللغة . وفي مكان آخر يذكر أن هناك فرقا بين اللغوي والنحوي ، ف « اللغوي شأنه أن ينقل ما نطقت به العرب ولا يتعداه ؛ وأما النحوي فشأنه أن يتصرف فيما ينقله اللغوي ويقيس عليه 27 بل إنه قال في موضع آخر : إن اللغة لا تثبت قياسا ، ولا يجرى القياس فيها . وقال كثير من الفقهاء : القياس يجرى في اللغة . . . » 28 . وقد أدرك المحدثون أهمية القياس وفائدته ؛ لذلك فقد نادى بعضهم بتوسيع القياس وفتح الباب أمام المقاييس للحاجة إليها في اللغة ، ولولا هذه المقاييس لضاقت اللغة على الناطق بها 29 . ونحن بدورنا نرى ضرورة القياس وأهميته وكيف أنه يلعب دورا مهمّا وخطيرا في إثراء اللغة 30 . بعض شبه ترد على منكري القياس : كان على رأس المنكرين الذين نادوا إلى إلغاء القياس ابن مضاء القرطبي ، وهو - كما يعدّ - صاحب الثورة على القياس والدعوة إلى إلغائه ؛ فهو يقول : « العرب أمة حكيمة ، فكيف تشبه شيئا بشئ ، وتحكم عليه بحكمه ، وعلة حكم الأصل غير موجودة في الفرع ، وإذا فعل واحد من النحويين ذلك جهّل ولم يقبل قوله ، فلم ينسبون إلى العرب ما يجهل به بعضهم بعضا ؟ وذلك أنهم لا يقيسون الشئ ويحكمون عليه بحكمه إلا إذا كانت علة حكم الأصل موجودة في الفرع ، وكذلك فعلوا في تشبيه الاسم بالفعل في العمل ، وتشبيههم إن وأخواتها بالأفعال المتعدية في العمل ، وأما تشبيه الأسماء غير المنصرفة بالأفعال فأشبه قليلا 31 ثم يقول : إن الشئ لا يقاس على الشئ إلا إذا كان حكمه مجهولا ، والشئ المقيس عليه معلوم الحكم ، وكانت العلة الموجبة للحكم في الأصل موجودة في الفرع » 32 .